فصل: الآية رقم ‏(‏146‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏138‏)‏

‏{‏صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏صبغة الله‏{‏ قال الأخفش وغيره‏:‏ دين الله، وهو بدل من ‏{‏ملة‏{‏ وقال الكسائي‏:‏ وهي منصوبة على تقدير اتبعوا‏.‏ أو على الإغراء أي الزموا‏.‏ ولو قرئت بالرفع لجاز، أي هي صبغة الله‏.‏ و روى شيبان عن قتادة قال‏:‏ إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله الإسلام‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ويدلك على هذا أن ‏{‏صبغة‏{‏ بدل من ‏{‏ملة‏{‏‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ أي فطرة الله التي فطر الناس عليها‏.‏ قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ وقول مجاهد هذا يرجع إلى الإسلام، لأن الفطرة ابتداء الخلق، وابتداء ما خلقوا عليه الإسلام‏.‏ وروي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة‏:‏ الصبغة الدين‏.‏ وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويقولون‏:‏ هذا تطهير لهم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية، فصبغوه بذلك ليطهروه به مكان الختان، لأن الختان تطهير، فإذا فعلوا ذلك قالوا‏:‏ الآن صار نصرانيا حقا، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال‏{‏صبغة الله‏{‏ أي صبغة الله أحسن صبغة وهي الإسلام، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب‏.‏ وقال بعض شعراء ملوك همدان‏.‏

وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خير الصبغ

صبغنا على ذاك أبناءنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ

وقيل‏:‏ إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى، ذكره الماوردي‏.‏

قلت‏:‏ وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا،

معنى ‏{‏صبغة الله‏{‏ غسل الله، أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم‏.‏ وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما‏.‏ ‏"‏روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه‏"‏‏:‏ أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏حسن إسلام صاحبكم‏)‏‏.‏ وخرج أيضا عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر‏.‏ ‏"‏ذكره النسائي ‏"‏وصححه أبو محمد عبدالحق‏.‏ وقيل‏:‏ إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة، حكاه ابن فارس في المجمل‏.‏ وقال الجوهري‏{‏صبغة الله‏}‏ دينه‏.‏ وقيل‏:‏ إن الصبغة الختان، اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء، قاله الفراء‏.‏ ‏{‏ونحن له عابدون‏{‏ ابتداء وخبر‏.‏

 الآية رقم ‏(‏139‏)‏

‏{‏ قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون‏}‏

قال الحسن‏:‏ كانت المحاجة أن قالوا‏:‏ نحن أولى بالله منكم، لأنا أبناء الله وأحباؤه‏.‏ وقيل‏:‏ لتقدم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان‏.‏ فمعنى الآية‏:‏ قل لهم يا محمد، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم آبائهم وكتبهم‏{‏أتحاجوننا‏{‏ أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد، وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين‏.‏ ومعنى ‏{‏في الله‏{‏ أي في دينه والقرب منه والحظوة له‏.‏ وقراءة الجماعة‏{‏أتحاجوننا‏{‏‏.‏ وجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين، لأن الثاني كالمنفصل‏.‏ وقرأ ابن محيصن ‏{‏أتحاجونا‏{‏ بالإدغام لاجتماع المثلين‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد‏.‏ ويجوز ‏{‏أتحاجون‏{‏ بحذف النون الثانية، كما قرأ نافع ‏{‏فبم تبشرون‏}‏الحجر‏:‏ 54‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏ونحن له مخلصون‏{‏ أي مخلصون العبادة، وفيه معنى التوبيخ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم، والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء‏)‏‏.‏ رواه الضحاك بن قيس الفهري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكره ‏"‏‏:‏ خرجه الدارقطني‏"‏‏.‏ وقال رويم‏:‏ الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من الملكين‏.‏ وقال الجنيد‏:‏ الإخلاص سر بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله‏.‏ وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سألت جبريل عن الإخلاص ما هو فقال سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو قال سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي‏)‏

 الآية رقم ‏(‏140‏)‏

‏{‏أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون‏}‏

قوله تعالى‏{‏أم تقولون‏{‏ بمعنى قالوا‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ‏{‏تقولون‏{‏ بالتاء وهي قراءة حسنة، لأن الكلام متسق، كأن المعنى‏:‏ أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم، فهي أم المتصلة، وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة، فيكون كلامين وتكون ‏{‏أم‏{‏ بمعنى بل‏.‏ ‏{‏هودا‏{‏ خبر كان، وخبر ‏{‏إن‏{‏ في الجملة‏.‏ ويجوز في غير القرآن رفع ‏{‏هودا‏{‏ على خبر ‏{‏إن‏{‏ وتكون كان ملغاة، ذكره النحاس‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل أأنتم أعلم أم الله‏{‏ تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى‏.‏ فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى‏.‏

قوله تعالى‏{‏ومن أظلم‏{‏ لفظه الاستفهام، والمعنى‏:‏ لا أحد أظلم‏.‏ ‏{‏ممن كتم شهادة‏{‏ يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة، والأول أشبه بسياق الآية‏.‏ ‏{‏وما الله بغافل عما تعملون‏{‏ وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى وأنه يجازيهم على أعمالهم‏.‏ والغافل‏:‏ الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه، مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة‏.‏ وناقة غفل‏:‏ لا سمة بها‏.‏ ورجل غفل‏:‏ لم يجرب الأمور‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ أرض غفل لم تمطر‏.‏ غفلت عن الشيء غفلة وغفولا، وأغفلت الشيء‏:‏ تركته على ذكر منك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏141‏)‏

‏{‏تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون‏}‏

كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏142‏)‏

‏{‏سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏سيقول السفهاء من الناس‏{‏ أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة، ما ولاهم‏.‏ و‏{‏سيقول‏{‏ بمعنى قال، جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول‏.‏ وخص بقوله‏{‏من الناس‏{‏ لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات‏.‏ والمراد من ‏{‏السفهاء‏{‏ جميع من قال‏{‏ما ولاهم‏{‏‏.‏ والسفهاء جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم‏:‏ ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقد تقدم‏.‏ والنساء سفائه‏.‏ وقال المؤرج‏:‏ السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم‏.‏ قطرب‏:‏ الظلوم الجهول، والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة، قاله مجاهد‏.‏ السدي‏:‏ المنافقون‏.‏ الزجاج‏:‏ كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا‏:‏ قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود‏:‏ قد التبس عليه أمره وتحير‏.‏ وقال المنافقون‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم، واستهزؤوا بالمسلمين‏.‏ و‏{‏ولاهم‏{‏ يعني عدلهم وصرفهم‏.‏

‏"‏روى الأئمة واللفظ لمالك عن ابن عمر ‏"‏قال‏:‏ بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة‏.‏ وخرج البخاري عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال‏:‏ أشهد بالله، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا‏؟‏‏؟‏ كما هم قبل البيت‏.‏ وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏البقرة‏:‏ 143‏]‏، ففي هذه الرواية صلاة العصر، وفي رواية مالك صلاة الصبح‏.‏ وقيل‏:‏ نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين‏.‏ وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة‏.‏ وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات، قالت‏:‏ كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل القبلة - أو قال‏:‏ البيت الحرام - فتحول الرجال مكان النساء، وتحول النساء مكان الرجال‏.‏ وقيل‏:‏ إن الآية نزلت في غير صلاة، وهو الأكثر‏.‏ وكان أول صلاة إلى الكعبة العصر، والله اعلم‏.‏ وروي أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى، وذلك أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏}‏البقرة‏:‏144‏]‏ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي‏:‏ تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نعما فصليناهما، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس الظهر يومئذ‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ ليس لأبي سعيد بن المعلى غير هذا الحديث، وحديث‏{‏كنت أصلي‏{‏ في فضل الفاتحة، خرجه البخاري، وقد تقدم‏.‏

واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة، فقيل‏:‏ حولت بعد ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، كما في البخاري‏.‏ وخرجه الدارقطني عن البراء أيضا‏.‏ قال‏:‏ صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏{‏ الآية‏.‏ ففي هذه الرواية ستة عشر شهرا من غير شك‏.‏ و‏"‏روى مالك عن يحيى بن سعيد ‏"‏عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين‏.‏ قال إبراهيم بن إسحاق‏:‏ وذلك في رجب من سنة اثنتين‏.‏ وقال أبو حاتم البستي‏:‏ صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء، وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأمره الله عز وجل باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان‏.‏

واختلف العلماء أيضا في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال، فقال الحسن‏:‏ كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقال عكرمة وأبو العالية‏.‏ الثاني‏:‏ أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم، قاله الطبري، وقال الزجاج‏:‏ امتحانا للمشركين لأنهم ألفوا الكعبة‏.‏ الثالث‏:‏ وهو الذي عليه الجمهور‏:‏ ابن عباس وغيره، وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى‏{‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه‏}‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ الآية‏.‏

واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة أولا بمكة، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين، فقالت طائفة‏:‏ إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة، قاله ابن عباس‏.‏ وقال آخرون‏:‏ أول ما افترضت الصلاة عليه إلى الكعبة، ولم يزل يصلي إليها طول مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى الكعبة‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ وهذا أصح القولين عندي‏.‏ قال غيره‏:‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه إلى قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم، فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن يحول إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء، وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم، عن ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام، وقيل‏:‏ مخالفة لليهود، عن مجاهد‏.‏ وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال‏:‏ كانت مسجد صالح عليه السلام وقبلته إلى الكعبة، قال‏:‏ وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏

في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخا ومنسوخا، وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ، كما تقدم‏.‏ وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها نسخت مرتين، على أحد القولين المذكورين في المسألة قبل‏.‏

ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون‏{‏كنت عليها‏{‏ بمعنى أنت عليها‏.‏

وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعا به من الشريعة عندهم، ثم أن أهل قباء لما أتاهم الآتي وأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو الكعبة، فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون‏.‏

وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه، فقال أبو حاتم‏:‏ والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبدالشرع به، ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء، وبدليل أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا‏.‏ ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف‏.‏ احتج من منع ذلك بأنه يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون‏.‏ وأما قصة أهل قباء وولاة النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إما نقلا وتحقيقا، وإما احتمالا وتقديرا‏.‏ وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول الفقه‏.‏

وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد بالحكم الأول، خلافا لمن قال‏:‏ إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به، والأول أصح، لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة‏.‏ فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به، لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابا في حق من لم يبلغه‏.‏ وفائدة هذا الخلاف في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا، وعليه تنبني مسألة الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين‏.‏ وكذلك المقارض، والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل‏.‏ والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة‏.‏ ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب بغير حكم عبادته وهو فيها، قياسا على مسألة قباء، فمن صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها ولا يقطعها ويجزيه ما مضى‏.‏ وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة، أو ابتدأ صلاته صحيحا فمرض، أو مريضا فصح، أو قاعدا ثم قدر على القيام، أو أمة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتبني‏.‏

قلت‏:‏ وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما‏.‏ وقيل‏:‏ يقطع، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وسيأتي‏.‏

وفيها دليل على قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي‏.‏

وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال، على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه، كما قال‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏المائدة‏:‏3‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل لله المشرق والمغرب‏{‏ أقامه حجة، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، وقد تقدم‏.‏

قوله تعالى‏{‏يهدي من يشاء‏{‏ إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والله تعالى اعلم‏.‏ والصراط‏.‏ الطريق‏.‏ والمستقيم‏:‏ الذي لا اعوجاج فيه، وقد تقدم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏143‏)‏

‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏{‏ المعنى‏:‏ وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم‏.‏ والوسط‏:‏ العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها‏.‏ و‏"‏روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري‏"‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا قال‏:‏ ‏(‏عدلا‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ وفي التنزيل‏{‏قال أوسطهم‏}‏القلم‏:‏ 28‏]‏ أي أعدلهم وخيرهم‏.‏ وقال زهير‏:‏

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

آخر‏:‏

أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر

وقال آخر‏:‏

لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا

وكن من الناس جميعا وسطا

ووسط الوادي‏:‏ خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء‏.‏ ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏خير الأمور أوسطها‏)‏‏.‏ وفيه عن علي رضي الله عنه‏{‏عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل‏}‏ وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم‏.‏ وقد وسط وساطة وسطة، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء‏.‏ والوسط بسكون السين الظرف، تقول‏:‏ صليت وسط القوم‏.‏ وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وكل موضع صلح فيه ‏{‏بين‏{‏ فهو وسط، وإن لم يصلح فيه ‏{‏بين‏{‏ فهو وسط بالتحريك، وربما يسكن وليس بالوجه‏.‏

قوله تعالى‏{‏لتكونوا‏}‏ نصب بلام كي، أي لأن تكونوا‏.‏ ‏{‏شهداء‏{‏ خبر كان‏.‏ ‏{‏على الناس‏{‏ أي في المحشر للأنبياء على أممهم، كما ثبت في‏"‏ صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري‏"‏ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل‏{‏ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، وفيه‏:‏ ‏(‏فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا‏)‏‏.‏ قال ابن أنعم‏:‏ فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا من كان في قلبه حنة على أخيه‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت وجبت‏)‏‏.‏ ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت وجبت‏)‏‏.‏ فقال عمر‏:‏ فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت وجبت‏)‏ ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت وجبت‏)‏‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض‏)‏‏.‏ ‏"‏أخرجه البخاري بمعناه‏"‏‏.‏ وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا‏{‏لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا‏{‏‏.‏ و‏"‏روى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت‏"‏ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني استجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس‏)‏‏.‏‏"‏ خرجه الترمذي الحكيم أبو عبدالله في نوادر الأصول‏"‏

قال علماؤنا‏:‏ أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا، كما قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏نحن الآخرون الأولون‏)‏‏.‏ وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا‏.‏ وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة إن شاء الله تعالى‏.‏

وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به، لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس‏.‏ فكل عصر شهيد على من بعده، فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين، وقول التابعين على من بعدهم‏.‏ وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم‏.‏ ولا معنى لقول من قال‏:‏ أريد به جميع الأمة، لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة‏.‏ وبيان هذا في كتب أصول الفقه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ويكون الرسول عليكم شهيدا‏{‏ قيل‏:‏ معناه بأعمالكم يوم القيامة‏.‏ وقيل‏{‏عليكم‏{‏ بمعنى لكم، أي يشهد لكم بالإيمان‏.‏ وقيل‏:‏ أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها‏{‏ قيل‏:‏ المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى، لقوله ‏{‏كنت عليها‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ الثانية، فتكون الكاف زائدة، أي أنت الآن عليها، كما تقدم، وكما قال‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ أي أنتم، في قول بعضهم، وسيأتي‏.‏

قوله تعالى‏{‏إلا لنعلم من يتبع الرسول‏{‏ قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه‏:‏ معنى ‏{‏لنعلم‏{‏ لنرى‏.‏ والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كقوله تعالى‏{‏ألم تر كيف فعل ربك‏}‏الفيل‏:‏ 1‏]‏ بمعنى ألم تعلم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم، فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك، حكاه ابن فورك، وذكره الطبري عن ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى إلا ليعلم النبي واتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه، كما يقال‏:‏ فعل الأمير كذا، وإنما فعله اتباعه، ذكره المهدوي وهو جيد‏.‏ وقيل‏:‏ معناه ليعلم محمد، فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا، كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله‏:‏ ‏(‏يا ابن آدم مرضت فلم تعدني‏)‏ الحديث‏.‏ والأول أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، علم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا‏.‏ وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى‏{‏وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء‏}‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏، ‏{‏ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين‏}‏محمد‏:‏ 31‏]‏ وما أشبه‏.‏ والآية جواب لقريش في قولهم‏{‏ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏}‏البقرة‏:‏ 142‏]‏ وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه‏.‏ وقرأ الزهري ‏{‏إلا ليعلم‏{‏ ‏{‏فمن‏{‏ في موضع رفع على هذه القراءة، لأنها اسم ما لم يسم فاعله‏.‏ وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول‏.‏ ‏{‏يتبع الرسول‏{‏ يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة‏.‏ ‏{‏ممن ينقلب على عقبيه‏{‏ يعني ممن يرتد عن دينه، لأن القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم، ولهذا قال‏{‏وإن كانت لكبيرة‏{‏ أي تحويلها، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة‏.‏ والتقدير في العربية‏:‏ وإن كانت التحويلة‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن كانت لكبيرة‏{‏ ذهب الفراء إلى أن ‏{‏إن‏{‏ واللام بمعنى ما وإلا، والبصريون يقولون‏:‏ هي إن الثقيلة خففت‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة‏.‏ ‏{‏إلا على الذين هدى الله‏{‏ أي خالق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم، كما قال تعالى‏{‏أولئك كتب في قلوبهم الإيمان‏}‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏{‏ اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب، على ما تقدم‏.‏ وخرج الترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا‏:‏ يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏{‏ الآية، قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل‏.‏ وقال مالك‏:‏ إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة‏:‏ إن الصلاة ليست من الإيمان‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏{‏ أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم، وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين‏.‏ و وى ابن وهب وابن القاسم وابن عبدالحكم وأشهب عن مالك ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏{‏ قال‏:‏ صلاتكم‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏{‏ الرأفة أشد من الرحمة‏.‏ وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ الرأفة أكثر من الرحمة، والمعنى متقارب‏.‏ وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب ‏{‏الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى‏{‏ فلينظر هناك‏.‏ وقرأ الكوفيون وأبو عمرو ‏{‏لرؤف‏{‏ على وزن فعل، وهي لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عقبة‏:‏

وشر الطالبين فلا تكنه يقاتل عمه الرؤف الرحيم

وحكى الكسائي أن لغة بني أسد ‏{‏لرأف‏{‏، على فعل‏.‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ‏{‏لروف‏{‏ مثقلا بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى، ساكنة كانت أو متحركة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏144‏)‏

‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون‏}‏

قال العلماء‏:‏ هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى‏{‏سيقول السفهاء من الناس ‏}‏البقرة‏:‏ 142‏]‏‏.‏ ومعنى ‏{‏تقلب وجهك‏{‏‏:‏ تحول وجهك إلى السماء، قاله الطبري‏.‏ الزجاج‏:‏ تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب‏.‏ وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوحي‏.‏ ومعنى ‏{‏ترضاها‏{‏ تحبها‏.‏ قال السدي‏:‏ كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به، وكان يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏{‏‏.‏ و‏"‏روى أبو إسحاق عن البراء‏"‏قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏{‏‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه، والحمد لله‏.‏

قوله تعالى‏{‏فول‏{‏ أمر ‏{‏وجهك شطر‏{‏ أي ناحية ‏{‏المسجد الحرام‏{‏ يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا‏.‏ قيل‏:‏ حيال البيت كله، عن ابن عباس‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ حيال الميزاب من الكعبة، قال ابن عطية‏.‏ والميزاب‏:‏ هو قبلة المدينة وأهل الشام، وهناك قبلة أهل الأندلس‏.‏

قلت‏:‏ قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏شطر المسجد الحرام‏}‏ الشطر له محامل‏:‏ يكون الناحية والجهة، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان، كما تقول‏:‏ تلقاءه وجهته‏.‏ وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول (1)‏، وأيضا فإن الفعل واقع فيه‏.‏ وقال داود بن أبي هند‏:‏ إن في حرف ابن مسعود ‏{‏فول وجهك تلقاء المسجد الحرام‏{‏‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

أقول لأم زنباع أقيمي صدور العيس شطر بني تميم‏.‏

وقال آخر‏:‏

وقد أظلكم من شطر ثغركم هول له ظلم يغشاكم قطعا

وقال آخر‏:‏

ألا من مبلغ عمرا رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو

وشطر الشيء‏:‏ نصفه، ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏الطهور شطر الإيمان‏)‏‏.‏ ويكون من الأضداد، يقال‏:‏ شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه‏.‏ فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحو غير الاستواء، وهو الذي أعيا أهله خبثا، وقد شطر وشطر بالضم شطارة فيهما وسئل بعضهم عن الشاطر، فقال‏:‏ هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه‏.‏

لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره أبو عمر‏.‏ وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها‏.‏ ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد‏.‏

واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة، فمنهم من قال بالأول‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهو ضعيف، لأنه تكليف لما لا يصل إليه‏.‏ ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف‏.‏ الثاني‏:‏ أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى‏{‏فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم‏{‏ يعني من الأرض من شرق أو غرب ‏{‏فولوا وجوهكم شطره‏{‏‏.‏ الثالث‏:‏ أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت‏.‏

في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده‏.‏ وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي‏.‏ يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده‏.‏ وقال شريك القاضي‏:‏ ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجره‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ إنما ينظر أمامه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج‏.‏ وما جعل علينا في الدين من حرج، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن الذين أوتوا الكتاب‏{‏ يريد اليهود والنصارى ‏{‏ليعلمون أنه الحق من ربهم‏{‏ يعني تحويل القبلة من بيت المقدس‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم‏؟‏ قيل عنه جوابان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به‏.‏ الثاني‏:‏ أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما الله بغافل عما يعملون‏{‏ تقدم معناه‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ‏{‏تعملون‏{‏ بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد‏.‏ وقرأ الباقون بالياء من تحت‏.‏

 الآية رقم ‏(‏145‏)‏

‏{‏ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك‏{‏ لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس تنفعهم الآيات، أي العلامات‏.‏ وجمع قبلة في التكسير‏:‏ قبل‏.‏ وفي التسليم‏:‏ قبلات‏.‏ ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قبلات‏.‏ ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قبلات‏.‏ وأجيبت ‏{‏لئن‏{‏ بجواب ‏{‏لو‏{‏ وهي ضدها في أن ‏{‏لو‏{‏ تطلب في جوابها المضي والوقوع، و‏{‏لئن‏{‏ تطلب الاستقبال، فقال الفراء والأخفش‏:‏ أجيبت بجواب ‏{‏لو‏{‏ لأن المعنى‏:‏ ولو أتيت‏.‏ وكذلك تجاب ‏{‏لو‏{‏ بجواب ‏{‏لئن‏{‏، تقول‏:‏ لو أحسنت أحسن إليك، ومثله قوله تعالى‏{‏ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا‏}‏الروم‏:‏ 51‏]‏ أي ولو أرسلنا ريحا‏.‏ وخالفهما سيبويه فقال‏:‏ إن معنى ‏{‏لئن‏{‏ مخالف لمعنى ‏{‏لو‏{‏ فلا يدخل واحد منهما على الآخر، فالمعنى‏:‏ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك‏.‏ قال سيبويه‏:‏ ومعنى ‏{‏ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا‏{‏ ليظلن‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما أنت بتابع قبلتهم‏{‏ لفظ خبر ويتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، عن السدي وابن زيد‏.‏ فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم‏.‏ وقال قوم‏:‏ المعنى وما من اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم قبلة من أسلم‏.‏ والأول أظهر، والله تعالى اعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين‏{‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما، فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر ولأنه المنزل عليه‏.‏ والأهواء‏:‏ جمع هوى، وقد تقدم، وكذا ‏{‏من العلم‏}‏البقرة‏:‏ 120‏]‏ تقدم أيضا، فلا معنى للإعادة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏146‏)‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم‏{‏ ‏{‏الذين‏{‏ في موضع رفع بالابتداء والخبر ‏{‏يعرفونه‏{‏‏.‏ ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة ‏{‏للظالمين‏{‏، و‏{‏يعرفون‏{‏ في موضع الحال، أي يعرفون نبوته وصدق رسالته، والضمير عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما‏.‏ وقيل‏{‏يعرفون‏{‏ تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق، قال ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضا‏.‏ وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه‏.‏ وروي أن عمر قال لعبدالله بن سلام‏:‏ أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك‏؟‏ فقال‏:‏ نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن فريقا منهم ليكتمون الحق‏{‏ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وخصيف‏.‏ وقيل‏:‏ استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفا‏.‏

‏{‏وهم يعلمون‏{‏ ظاهر في صحة الكفر عنادا، ومثله‏{‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم‏}‏النمل‏:‏14‏]‏ وقوله ‏{‏فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به‏}‏البقرة‏:‏89‏]‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏147‏)‏

‏{‏الحق من ربك فلا تكونن من الممترين‏}‏

قوله تعالى‏{‏الحق من ربك‏{‏ يعني استقبال الكعبة، لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم‏.‏ وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏الحق‏{‏ منصوبا بـ ‏{‏يعلمون‏{‏ أي يعلمون الحق‏.‏ ويصح نصبه على تقدير الزم الحق‏.‏ والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير هو الحق، أو على إضمار فعل، أي جاءك الحق‏.‏ قال النحاس‏:‏ فأما الذي في ‏{‏الأنبياء‏{‏ ‏{‏الحق فهم معرضون‏}‏الأنبياء‏:‏ 24‏]‏ فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة ‏{‏البقرة‏{‏ مبتدأ آية، والذي في الأنبياء ليس كذلك‏.‏

قوله تعالى‏{‏فلا تكونن من الممترين‏{‏ أي من الشاكين‏.‏ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته‏.‏ يقال‏:‏ امترى فلان ‏(2)‏ كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى، ومنه المراء لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه‏.‏ والامتراء في الشيء الشك فيه، وكذا التماري‏.‏ وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى‏:‏

تدر على أسؤق الممتريـ ـن ركضا إذا ما السراب أرجحن

قال ابن عطية‏:‏ ووهم في هذا، لأن أبا عبيدة وغيره قال‏:‏ الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري‏.‏

قلت‏:‏ معنى الشك فيه موجود، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد من الجري أم لا، لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جربه‏.‏ قال الجوهري‏:‏ ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره‏.‏ والاسم المرية بالكسر وقد تضم‏.‏ ومريت الناقة مريا‏:‏ إذا مسحت ضرعها لتدر‏.‏ وأمرت هي إذا در لبنها، والاسم المرية بالكسر، والضم غلط‏.‏ والمرية‏:‏ الشك، وقد تضم، وقرئ بهما‏.‏

 الآية رقم ‏(‏148‏)‏

‏{‏ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولكل وجهة‏{‏ الوجهة وزنها فعلة من المواجهة‏.‏ والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القبلة، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة إما بحق وإما بهوى‏.‏

قوله تعالى‏{‏هو موليها‏{‏ ‏{‏هو‏{‏ عائد على لفظ كل لا على معناه، لأنه لو كان على المعنى لقال‏:‏ هم مولوها وجوههم، فالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي هو موليها وجهه ونفسه‏.‏ والمعنى‏:‏ ولكل صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة موليها وجهه، على لفظ كل وهو قول الربيع وعطاء وابن عباس‏.‏ وقال علي بن سليمان‏{‏موليها‏{‏ أي متوليها‏.‏ وقرأ ابن عباس وابن عامر ‏{‏مولاها‏{‏ على ما لم يسم فاعله‏.‏ والضمير على هذه القراءة لواحد، أي ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها أي مصروف إليها، قاله الزجاج‏.‏ ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة ‏{‏هو‏{‏ ضمير اسم الله عز وجل وإن لم يجر له ذكر، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك والمعنى‏:‏ لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه‏.‏ وحكى الطبري‏:‏ أن قوما قرؤوا ‏{‏ولكل وجهة‏{‏ بإضافة كل إلى وجهة‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وخطأها الطبري، وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع‏.‏ وقدم قول ‏{‏ولكل وجهة‏{‏ على الأمر في قوله‏{‏فاستبقوا الخيرات‏{‏ للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وسلمت الواو في ‏{‏وجهة‏{‏ للفرق بين عدة وزنة، لأن جهة ظرف، وتلك مصادر‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم‏.‏ وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر‏.‏ وقال غير أبي علي‏:‏ وإذا أردت المصدر قلت جهة، وقد يقال الجهة في الظرف‏.‏

قوله تعالى‏{‏فاستبقوا الخيرات‏{‏ أي إلى الخيرات، فحذف الحرف، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي‏.‏ والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى اعلم‏.‏ ‏"‏روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البيضة‏)‏‏.‏ و‏"‏روى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏"‏قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله‏)‏‏.‏‏"‏ وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد‏"‏‏.‏‏"‏ وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر ‏"‏قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير الأعمال الصلاة في أول وقتها‏)‏‏.‏ وفي حديث ابن مسعود ‏(‏أول وقتها‏)‏ بإسقاط في‏.‏ وروي أيضا عن إبراهيم بن عبدالملك عن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله‏)‏‏.‏ زاد ابن العربي‏:‏ فقال أبو بكر‏:‏ رضوان الله أحب إلينا من عفوه، فإن رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين، وهذا اختيار الشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ آخر الوقت أفضل، لأنه وقت الوجوب‏.‏ وأما مالك ففصل القول، فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل، أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏(‏إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس‏)‏ - في رواية - ‏(‏متلففات‏)‏‏.‏ وأما المغرب فلحديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، أخرجهما مسلم‏.‏ وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه‏.‏روى ابن عمر قال‏:‏ مكثنا ‏[‏ذات‏]‏ ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج‏:‏ ‏(‏إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة‏)‏‏"‏ وفي البخاري عن أنس‏"‏ قال‏:‏ أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى‏.‏‏.‏‏.‏، وذكر الحديث‏.‏ وقال أبو برزة‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها‏.‏ وأما الظهر فإنها تأتي الناس ‏[‏على‏]‏ غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا‏.‏ قال أبو الفرج قال مالك‏:‏ أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر‏.‏ وقال ابن أبي أويس‏:‏ وكان مالك يكره أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك، ويقول‏:‏ تلك صلاة الخوارج‏.‏ وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر الغفاري قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أبرد‏)‏ ثم أراد أن يؤذن فقال له‏:‏ ‏(‏أبرد‏)‏ حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة‏)‏‏.‏

‏"‏ وفي صحيح مسلم عن أنس‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس‏.‏ والذي يجمع ببن الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل‏.‏ قال أبو عيسى الترمذي وقد اختار قوم ‏[‏من أهل العلم‏]‏ تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق‏.‏ قال الشافعي‏:‏ إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان ‏[‏مسجدا‏]‏ ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال الشافعي‏.‏ قال أبو ذر‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏[‏يا بلال‏]‏ أبرد ثم أبرد‏)‏‏.‏ فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى، لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد‏{‏‏.‏ وأما العصر فتقديمها أفضل‏.‏ ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة أفضل من تقديمها، فإن فضل الجماعة معلوم، وفضل أول الوقت مجهول وتحصيل المعلوم أولى قاله ابن العربي‏.‏

قوله تعالى‏{‏أين ما تكونوا‏{‏ شرط، وجوابه‏{‏يأت بكم الله جميعا‏{‏ يعني يوم القيامة‏.‏ ‏{‏إن الله على كل شيء قدير‏{‏ ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏149 ‏:‏150‏)‏

‏{‏ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون، ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام‏{‏ قيل‏:‏ هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا، فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالأول‏:‏ ول وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صليت تلقاءها‏.‏ ثم قال‏:‏‏:‏ وحيث ما كنتم‏{‏ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ‏{‏فولوا وجوهكم شطره‏{‏ ثم قال ‏{‏ومن حيث خرجت‏{‏ يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض‏.‏

قلت‏:‏ هذا القول أحسن من الأول، لأن فيه حمل كل آية على فائدة‏.‏ وقد ‏"‏روى الدارقطني عن أنس بن مالك ‏"‏ال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به‏.‏ أخرجه أبو داود أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور‏.‏ وذهب مالك إلى أنه لا يلزمه الاستقبال، لحديث ابن عمر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته‏.‏‏.‏ قال‏:‏ وفيه نزل ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏البقرة‏:‏ 115‏]‏ وقد تقدم‏.‏

قلت‏:‏ ولا تعارض بين الحديثين، لأن هذا من باب المطلق والمقيد، فقول الشافعي أولى، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح‏.‏ ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما معنى تكرير القصص في القرآن‏؟‏ فقال‏:‏ علم الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن، فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض، فكررت لتكون عند من حفظ البعض‏.‏

قوله تعالى‏{‏لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم‏{‏ قال مجاهد‏:‏ هم مشركو العرب‏.‏ وحجتهم قولهم‏:‏ راجعت قبلتنا، وقد أجيبوا عن هذا بقوله‏{‏قل لله المشرق والمغرب‏}‏البقرة‏:‏ 142‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏لئلا يكون للناس عليكم حجة‏{‏ لئلا يقولوا لكم‏:‏ قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها، فلما قال عز وجل‏{‏وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏{‏ زال هذا‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ إن ‏{‏إلا‏{‏ ههنا بمعنى الواو، أي والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر‏:‏

ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا

كأنه قال‏:‏ إلا دار الخليفة ودار مروان، وكذا قيل في قوله تعالى‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏}‏التين‏:‏ 6‏]‏ أي الذين آمنوا‏.‏ وأبطل الزجاج هذا القول وقال‏:‏ هذا خطأ عند الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني، وتكون ‏{‏إلا‏{‏ وما بعدها مستغنى عن ذكرهما‏.‏ والقول عندهم أن هذا استثناء ليس من الأول، أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون‏.‏ قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ أي عرفكم الله أمر الاحتجاج في القبلة في قوله‏{‏ولكل وجهة هو موليها‏{‏ ‏{‏لئلا يكون للناس عليكم حجة‏{‏ إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول‏:‏ مالك علي حجة إلا الظلم أو إلا أن تظلمني، أي مالك حجة البتة ولكنك تظلمني، فسمى ظلمه حجة لأن المحتج به سماه حجة وإن كانت داحضة‏.‏ وقال قطرب‏:‏ يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف والميم في ‏{‏عليكم‏{‏‏.‏ وقالت فرقة‏{‏إلا الذين‏{‏ استثناء متصل، روي معناه عن ابن عباس وغيره، واختاره الطبري وقال‏:‏ نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقبالهم الكعبة‏.‏ والمعنى‏:‏ لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة‏.‏ حيث قالوا‏:‏ ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق‏.‏ والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة‏.‏ وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وقيل إن الاستثناء منقطع، وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب، كأنه قال‏:‏ لكن الذين ظلموا يحاجونكم، وقوله ‏{‏منهم‏{‏ يرد هذا التأويل‏.‏ والمعنى لكن الذين ظلموا، يعني كفار قريش في قولهم‏:‏ رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله‏.‏ ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود‏.‏ وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد ‏{‏ألا الذين ظلموا‏{‏ بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، فيكون ‏{‏الذين ظلموا‏{‏ ابتداء، أو على معنى الإغراء، فيكون ‏{‏الذين‏{‏ منصوبا بفعل مقدر‏.‏

قوله تعالى‏{‏فلا تخشوهم‏{‏ يريد الناس ‏{‏واخشوني‏{‏ الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي‏.‏ والخوف‏:‏ فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفا‏.‏ ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى، والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولأتم نعمتي عليكم‏{‏ معطوف على ‏{‏لئلا يكون‏{‏ أي ولأن أتم، قاله الأخفش‏.‏ وقيل‏:‏ مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير‏:‏ ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي، قاله الزجاج‏.‏ وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة‏.‏ و‏{‏لعلكم تهتدون‏{‏ تقدم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏151‏)‏

‏{‏كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏كما أرسلنا‏{‏ الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، المعنى‏:‏ ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا، قاله الفراء‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا أحسن الأقوال، أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا‏.‏ وقيل‏:‏ هي في موضع نصب على الحال، والمعنى‏:‏ ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال‏.‏ والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي فاذكروني كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج‏.‏ أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به‏.‏ والوقف على ‏{‏تهتدون‏{‏ على هذا القول جائز‏.‏

قلت‏:‏ وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه، أي كما فعلت بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد، لأن في ذكركم ذلك شكرا لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله‏{‏لئن شكرتم لأزيدنكم‏}‏إبراهيم‏:‏ 7‏]‏، فالكاف في قوله ‏{‏كما‏{‏ هنا، وفي الأنفال ‏{‏كما أخرجك ربك‏}‏الأنفال‏:‏ 5‏]‏ وفي آخر الحجر ‏{‏كما أنزلنا على المقتسمين‏}‏الحجر‏:‏ 90‏]‏ متعلقة بما بعده، على ما يأتي بيانه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏152‏)‏

‏{‏فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏فاذكروني أذكركم‏{‏ أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم‏.‏ وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له‏.‏ وسمي الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم‏.‏

ومعنى الآية‏:‏ اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير‏.‏ وقال أيضا‏:‏ الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير‏)‏، ذكره أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكام القرآن له‏.‏ وقال أبو عثمان النهدي‏:‏ إني لأعلم الساعة التي يذكرنا الله فيها، قيل له‏:‏ ومن أين تعلمها‏؟‏ قال يقول الله عز وجل‏{‏فاذكروني أذكركم‏}‏‏.‏ وقال السدي‏:‏ ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله عز وجل، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب‏.‏ وسئل أبو عثمان فقيل له‏:‏ نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة‏؟‏ فقال‏:‏ احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جواركم بطاعته‏.‏ وقال ذو النون المصري رحمه الله‏:‏ من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء‏.‏ وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه‏:‏ ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله‏.‏ والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة‏.‏ ‏"‏روى ابن ماجة عن عبدالله بن بسر‏"‏أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال‏:‏ ‏(‏لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل‏)‏‏.‏ وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه‏)‏‏.‏ وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا‏}‏الأحزاب‏:‏41‏]‏ وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات‏.‏

قوله تعالى‏{‏واشكروا لي‏{‏ قال الفراء يقال‏:‏ شكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك، والفصيح الأول‏.‏ والشكر معرفة الإحسان والتحدث به، وأصله في اللغة الظهور، وقد تقدم‏.‏ فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع الطاعات‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولا تكفرون‏{‏ نهي، ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم‏.‏ وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي لا تكفروا نعمتي وأيادي‏.‏ فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب‏.‏ وقد مضى القول في الكفر لغة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏153‏)‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين‏}‏

قد تقدم شرح هذه الآية‏.‏

 الآية رقم ‏(‏154‏)‏

‏{‏ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون‏}‏

هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون‏}‏آل عمران‏:‏ 169‏]‏، وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم، إن شاء الله تعالى‏.‏

وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، يكون فيه دليل على عذاب القبر‏.‏ والشهداء أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا‏.‏ ويدل على هذا قوله تعالى‏{‏ولكن لا تشعرون‏{‏ والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون‏.‏ وارتفع ‏{‏أموات‏{‏ على إضمار مبتدأ، وكذلك ‏{‏بل أحياء‏{‏ أي هم أموات وهم أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب، كما يصح في قولك‏:‏ قلت كلاما وحجة‏.‏

 الاية رقم ‏(‏155‏)‏

‏{‏ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولنبلونكم‏{‏ هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين‏.‏ وقال غيره‏:‏ لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر‏.‏ والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا‏.‏ وأصله المحنة، وقد تقدم‏.‏ والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، كما تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق‏.‏ وقيل‏:‏ أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس‏.‏

قوله تعالى‏{‏بشيء‏{‏ لفظ مفرد ومعناه الجمع‏.‏ وقرأ الضحاك ‏{‏بأشياء‏{‏ على الجمع‏.‏ وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي بشيء من هذا وشيء من هذا، فاكتفى بالأول إيجازا ‏{‏من الخوف‏{‏ أي خوف العدو والفزع في القتال، قاله ابن عباس‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ هو خوف الله عز وجل‏.‏ ‏{‏والجوع‏{‏ يعني المجاعة بالجدب والقحط، في قول ابن عباس‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ هو الجوع في شهر رمضان‏.‏ ‏{‏ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار‏.‏ وقيل‏:‏ بالجوائح المتلفة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ بالزكاة المفروضة‏.‏ ‏{‏والأنفس‏{‏ قال ابن عباس‏:‏ بالقتل والموت في الجهاد‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يعني بالأمراض‏.‏ ‏{‏والثمرات‏{‏ قال الشافعي‏:‏ المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، على ما يأتي‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ المراد قلة النبات وانقطاع البركات‏.‏

قوله تعالى‏{‏وبشر الصابرين‏{‏ أي بالثواب على الصبر‏.‏ والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر، وقد تقدم‏.‏ لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، كما ‏"‏روى البخاري عن أنس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنما الصبر عند الصدمة الأولى‏)‏‏.‏ وأخرجه مسلم أتم منه، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل‏:‏ يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث‏.‏ وقال سهل بن عبدالله التستري‏:‏ لما قال تعالى‏{‏وبشر الصابرين‏}‏ صار الصبر عيشا‏.‏ والصبر صبران‏:‏ صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد‏.‏ فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات‏.‏ وقال الخواص‏:‏ الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة‏.‏ وقال رويم‏:‏ الصبر ترك الشكوى‏.‏ وقال ذو النون المصري‏:‏ الصبر هو الاستعانة بالله تعالى‏.‏ وقال الأستاذ أبو علي‏:‏ الصبر حدة ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب‏{‏إنا وجدناه صابرا نعم العبد‏}‏ص‏:‏ 44‏]‏ مع أخبر عنه أنه قال‏{‏مسني الضر‏}‏الأنبياء‏:‏ 83‏]‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏156 ‏:‏ 157‏)‏

‏{‏الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏مصيبة‏{‏ المصيبة‏:‏ كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال‏:‏ أصابه إصابة ومصابة ومصابا‏.‏ والمصيبة واحدة المصائب‏.‏ والمصوبة

بضم الصادمثل المصيبة‏.‏ وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل‏.‏ والمصاب الإصابة، قال الشاعر‏:‏

أسليم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم

وصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه‏.‏ والمصيبة‏:‏ النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر، روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال‏{‏إنا لله وإنا إليه راجعون‏}‏ فقيل‏:‏ أمصيبة هي يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة‏)‏

قلت‏:‏ هذا ثابت معناه في ‏"‏الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما‏"‏ أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته‏(‏

‏"‏خرج ابن ماجة في سننه‏"‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام ابن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب‏)‏‏.‏

من أعظم المصائب المصيبة في الدين، ذكر أبو عمر عن الفريابي قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب‏)‏‏.‏‏"‏ أخرجه السمرقندي أبو محمد في مسنده‏"‏، أخبرنا أبو نعيم قال‏:‏ أنبأنا فطر‏.‏‏.‏‏.‏، فذكر مثله سواء‏.‏ وأسند مثله عن مكحول مرسلا‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة‏.‏ وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا‏.‏ ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول‏:‏

اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد

أو ما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد

من لم يصب ممن ترى بمصيبة‏؟‏ هذا سبيل لست فيه بأوحد

فإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد

قوله تعالى‏{‏قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏{‏ جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين‏:‏ لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله‏{‏إنا لله‏{‏ توحيد وإقرار بالعبودية والملك‏.‏ وقوله‏{‏وإنا إليه راجعون‏{‏ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له‏.‏ قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى‏:‏ لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال‏:‏ يا أسفي على يوسف‏.‏

قال أبو سنان‏:‏ دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال‏:‏ ألا أبشرك يا أبا سنان، حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد‏)‏‏.‏ و‏"‏روى مسلم عن أم سلمة‏"‏قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها‏)‏‏.‏ فهذا تنبيه على قوله تعالى‏{‏وبشر الصابرين‏}‏البقرة‏:‏ 155‏]‏ إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها‏.‏ وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما‏.‏

قوله تعالى‏{‏أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة‏{‏ هذه نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين‏.‏ وصلاة الله على عبده‏:‏ عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن‏.‏ ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا للمعنى، كما قال‏{‏من البينات والهدى‏}‏البقرة‏:‏ 159‏]‏، وقوله ‏{‏أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم‏}‏الزخرف‏:‏ 80‏]‏‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

صلى على يحيى وأشياعه رب كريم وشفيع مطاع

وقيل‏:‏ أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة‏.‏ وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ نعم العدلان ونعم العلاوة‏{‏الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون‏{‏‏.‏ أراد بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء‏.‏ قيل‏:‏ إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل‏:‏ إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن‏.‏